يرى محمد أزهر محمد، الكاتب في موقع «ميدل إيست مونيتور»، أن المشهد السياسي الإسرائيلي قبيل انتخابات 27 أكتوبر يكشف تحولًا متطرفًا في الخطاب السياسي، إذ يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المعروف برفضه إقامة دولة فلسطينية وتوسيع المستوطنات وشن الحرب المدمرة على قطاع غزة، اتهامات من خصومه بالتساهل مع الفلسطينيين. ويعكس هذا المشهد، بحسب الكاتب، مدى انزياح السياسة الإسرائيلية نحو اليمين المتطرف، إلى حد تصوير نتنياهو نفسه باعتباره أكثر اعتدالًا من منافسيه.
وفي مقال محمد نشره موقع «ميدل إيست مونيتور» يناقش الكاتب تداعيات هذا التحول على مستقبل السياسة الإسرائيلية، محذرًا من أن رحيل نتنياهو عن السلطة لن يعني بالضرورة ظهور قيادة أكثر اعتدالًا، في ظل ترسخ نهج سياسي يقوم على المواجهة الدائمة ورفض السيادة الفلسطينية وتوسيع المستوطنات وتوظيف المخاوف الأمنية والقومية.
من رفض الدولة الفلسطينية إلى اتهامه بالتساهل مع الفلسطينيين
تكمن المفارقة، بحسب محمد أزهر محمد، في أن بنيامين نتنياهو، الذي أمضى سنوات طويلة في رفض إقامة دولة فلسطينية وتوسيع المستوطنات وشن حرب مدمرة على غزة، يواجه اليوم انتقادات من شخصيات تنتمي إلى المعسكر اليميني المتطرف، تتهمه بأنه لا يتخذ موقفًا متشددًا بما يكفي تجاه الفلسطينيين.
ويقود السياسي المتشدد أفيجدور ليبرمان، أحد أبرز خصوم نتنياهو داخل المعسكر اليميني الإسرائيلي، جانبًا من هذه الانتقادات، مستندًا إلى تاريخ رئيس الوزراء السياسي، ومذكّرًا الناخبين بأنه أبدى علنًا عام 2009، خلال خطابه الشهير في جامعة بار إيلان، قبوله بإمكانية إقامة دولة فلسطينية.
وفي المشهد السياسي الإسرائيلي الراهن، يبدو أن مجرد النطق بعبارة «دولة فلسطينية» قد يُستخدم دليلًا على التعاطف مع الفلسطينيين، رغم أن نتنياهو أمضى سنوات طويلة في اتخاذ خطوات تهدف إلى إحباط إقامة هذه الدولة. ومع ذلك، لا يزال خصومه يتهمونه بعدم الالتزام بما يكفي بالقضاء على التطلعات السياسية الفلسطينية المشروعة.
ولعقود، اعتمد نتنياهو نهجًا سياسيًا يقوم على تقديم نفسه باعتباره المدافع الأشد عن إسرائيل، واتهام منافسيه بالضعف في الملفات الأمنية، وتحذير الناخبين من الفلسطينيين وإيران وما يصفه بالإرهاب، وتصوير أي تنازل دبلوماسي تقريبًا باعتباره تهديدًا وجوديًا لإسرائيل.
وقد نجح هذا النهج في دفع مركز الثقل السياسي الإسرائيلي تدريجيًا نحو اليمين المتطرف. لكن الكاتب يرى أن تحريك الخطاب السياسي باستمرار نحو مزيد من التشدد يفتح المجال أمام قوى تتجاوز صاحب هذا النهج نفسه، وهو ما يواجهه نتنياهو حاليًا.
نتنياهو يواجه تداعيات نهج سياسي ساهم في ترسيخه
يواجه نتنياهو اليوم، وفقًا للكاتب، أزمة سياسية ساهم بنفسه في صنعها؛ فبعد سنوات من إقناع الإسرائيليين بأن الحقوق الفلسطينية لا تستحق الاهتمام، وأن إقامة دولة فلسطينية تمثل خطرًا، وأن التسوية تعكس الضعف، بات خصومه يتهمونه بالتساهل كلما أبدى قدرًا من ضبط النفس، سواء استجابة للضغوط الأمريكية أو في سياق مفاوضات إطلاق سراح المحتجزين أو مراعاة للحسابات العسكرية أو بسبب العزلة الدولية المتزايدة.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن وصف نتنياهو بأنه «مؤيد للفلسطينيين أكثر من اللازم» أمر يصعب قبوله عند النظر إلى سياساته. ففي ظل قيادته، تعرض قطاع غزة لدمار واسع، وقُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ودُمرت مساحات كبيرة من القطاع أو أصبحت غير صالحة للسكن، بينما واجهت أفعال إسرائيل المرتبطة بالإبادة الجماعية انتقادات ومساءلة أمام مؤسسات دولية على نطاق غير مسبوق.
لكن الأخطر، بحسب المقال، أن نتنياهو لا يزال عرضة للانتقاد داخل إسرائيل بسبب عدم ذهابه بعيدًا بما يكفي في سياساته المتشددة. ويحذر الكاتب من أن هذه الحقيقة ينبغي أن تثير القلق لدى من يعتقدون أن الإطاحة بنتنياهو ستؤدي تلقائيًا إلى ظهور إسرائيل أكثر اعتدالًا.
ويشير المقال إلى أن التيار الصهيوني السائد في إسرائيل لا يضم، بحسب تقييم الكاتب، سوى مساحة محدودة للغاية للاعتدال السياسي. فقد يخسر نتنياهو الانتخابات، لكن النهج الذي ارتبط باسمه، والقائم على المواجهة والصراع والحرب الدائمة وتوسيع المستوطنات ورفض السيادة الفلسطينية والقومية المدفوعة بالخوف، قد يستمر بعد رحيله.
بل يرى محمد أزهر محمد أن الجيل الجديد من السياسيين الإسرائيليين المنتمين إلى اليمين المتطرف قد يكون أقل استعدادًا لتقديم أي تنازلات. وتكمن المفارقة في أن نتنياهو أمضى عقودًا في دفع السياسة الإسرائيلية نحو اليمين، قبل أن يجد نفسه أمام تيار تجاوز حدود التشدد الذي ساهم في ترسيخه.
انتخابات 27 أكتوبر ومستقبل القيادة الإسرائيلية بعد نتنياهو
تمثل الانتخابات المقبلة تحديًا كبيرًا لنتنياهو، الذي بدا لسنوات وكأنه شخصية عصية على الإزاحة من المشهد السياسي. فقد توالت الفضائح، واستمرت الإجراءات القضائية المرتبطة بقضاياه الجنائية، وشهدت إسرائيل انتخابات متعاقبة، لكنه نجح مرارًا في العودة إلى السلطة.
واعتمدت صورته السياسية بدرجة كبيرة على تقديم نفسه باعتباره رجل الدولة المخضرم القادر على ضمان الأمن، والأكثر فهمًا لخصوم إسرائيل وتهديداتهم. غير أن هجوم 7 أكتوبر 2023 شكّل أحد أكبر الإخفاقات الأمنية في تاريخ إسرائيل، ووقع خلال توليه رئاسة الحكومة.
ورغم أن الحرب اللاحقة على قطاع غزة ربما أعادت، في نظر مؤيديه، تعزيز بعض جوانب الردع العسكري الإسرائيلي، فإنها لم تمحُ الإخفاق الأمني الأصلي، كما لم تحقق الحرب الممتدة الانتصار السياسي الواضح الذي وعد به نتنياهو مرارًا. ولهذا، يرى الكاتب أن انتخابات 2026 قد تشكل اختبارًا بالغ الصعوبة لمستقبله السياسي.
فبعد أن أقنع نتنياهو الإسرائيليين طويلًا بأن اعتماد أقصى درجات التشدد هو السبيل الوحيد لضمان الأمن، بات سياسيون أشد تطرفًا منه يستخدمون الحجة ذاتها لمهاجمته. وبينما كان يتهم خصومه بالضعف، أصبح هو نفسه في مرمى الاتهامات بالتساهل.
ويخلص الكاتب إلى أن الخطر الأكبر الذي يهدد نتنياهو قد لا يأتي من اليسار الإسرائيلي أو من قضايا الفساد التي يواجهها فحسب، بل من الثقافة السياسية التي ساهم في تشكيلها، والتي باتت تعتبر حتى شخصًا مثله متساهلًا تجاه الفلسطينيين.
ويطرح المقال تساؤلًا بشأن مستقبل القيادة الإسرائيلية: إذا كان بنيامين نتنياهو، بكل سجله السياسي ومواقفه المتشددة، يُصنّف اليوم باعتباره شخصية معتدلة نسبيًا، فما طبيعة القيادة التي قد تخلفه، وإلى أي مدى يمكن أن تذهب في التشدد تجاه الفلسطينيين؟
https://www.middleeastmonitor.com/20261008-in-a-genocidal-state-even-netanyahu-is-seen-as-too-pro-palestine/

